محمد أبو زهرة
4491
زهرة التفاسير
زينتها ، وبهرته ونسي الآخرة ، فإنه لا يحسن عملا ، ومن أدرك حقيقتها ، وهي أنها ظل زائل ، وأنها لهو ولعب ، والحياة الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون ، فإنه هو الذي يحسن العمل ويستحق الجزاء الأوفى . وقوله تعالى : أَحْسَنُ عَمَلًا ، أفعل التفضيل ليس على بابه ، والمعنى بلغ أقصى درجات الحسن ، أو هو على بابه ويكون الاختبار لتنزيل الناس منا فمن اتجه إلى الخير ناله بقدره ، ومن اتجه إلى غيره تردى في منحدر المعصية . وإن زينة الدنيا تنتهى كما تنتهى الحياة ، وتكون غثاء أحوى ؛ ولذا قال سبحانه : وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) ، الصعيد التراب : والصعدة الأكمة من التراب ، والجرز بالضم من الجرز وهو القطع قطع الزرع والثمار ، وغيرها ، وتطلق الجرز على الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر ، كالصحراء التي لا تنبت . والمعنى في هذا أن اللّه تعالى خلق الأنواع كلها ، فخلق الأرض التي جعلها اللّه زينة وفيها الخصب والنماء ، وأنها تتحول إلى غثاء أحوى ، فكذلك يخرج الحي من الميت ، والميت من الحي ، فليس عجيبا أن يعود الناس أحياء بعد موتهم ، فلا غرابة ولا عجب في أن يكونوا ترابا ثم يكونوا من بعد ذلك خلقا جديدا . . . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) [ الأعراف ] . قصة أهل الكهف تصدى القرآن الكريم لبيان أهل الكهف بما لم يتصد به كتاب مقدس ، ولا نريد أن نخوض في أمر لم يخض فيه القرآن فلا نريد أن نرجم بالغيب ، ولا أن نسير وراء الظنون ، والقرآن ليس كتاب تاريخ ولكنه كتاب عظة واعتبار ، وكل ما فيه صدق لا مجال للريب فيه . أكثر الذين تعرضوا لبيان من هم أهل الكهف يقولون : إنهم من النصارى المؤمنين كانوا في عهد اضطهاد النصارى ، فقد كانوا موضع اضطهاد من وقت انتهاء حياة المسيح في الدنيا ، وجاءت عصور اضطهاد شديدة كانوا يفرون بدينهم ،